محمد بن جرير الطبري

100

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

مهنة ، يسير الرجل إلى جنب أخيه وهو يكلمه ويناجيه ، لا تصيب أذن راحلة منها أذن صاحبتها ، ولا برك راحلة برك صاحبتها ، حتى إن الشجرة لتتنحى عن طرقهم لئلا تفرق بين الرجل وأخيه . قال : فيأتون إلى الرحمن الرحيم ، فيسفر لهم عن وجهه الكريم حتى ينظروا إليه ، فإذا رأوه قالوا : اللهم أنت السلام ومنك السلام ، وحق لك الجلال والإكرام قال : فيقول تبارك وتعالى عند ذلك : أنا السلام ، ومنى السلام ، وعليكم حقت رحمتي ومحبتي ، مرحبا بعبادي الذين خشوني بغيب وأطاعوا أمري قال : فيقولون : ربنا إنا لم نعبدك حق عبادتك ولم نقدرك حق قدرك ، فأذن لنا بالسجود قدامك قال : فيقول الله : إنها ليست بدار نصب ولا عبادة ، ولكنها دار ملك ونعيم ، وإني قد رفعت عنكم نصب العبادة ، فسلوني ما شئتم ، فإن لكل رجل منكم أمنيته فيسألونه حتى إن أقصرهم أمنية ليقول : رب تنافس أهل الدنيا في دنياهم فتضايقوا فيها ، رب فأتني كل شيء كانوا فيه من يوم خلقتها إلى أن انتهت الدنيا فيقول الله : لقد قصرت بك اليوم أمنيتك ، ولقد سألت دون منزلتك ، هذا لك مني ، وسأتحفك بمنزلتي ، لأنه ليس في عطائي نكد ولا تصريد . قال : ثم يقول : اعرضوا على عبادي ما لم تبلغ أمانيهم ولم يخطر لهم على بال قال : فيعرضون عليهم حتى يقضوهم أمانيهم التي في أنفسهم ، فيكون فيما يعرضون عليهم براذين مقرنة ، على كل أربعة منها سرير من ياقوتة واحدة ، على كل سرير منها قبة من ذهب ، مفرغة ، في كل قبة منها فرش من فرش الجنة مظاهرة ، في كل قبة منها جاريتان من الحور العين ، على كل جارية منهن ثوبان من ثياب الجنة ، ليس في الجنة لون إلا وهو فيهما ، ولا ريح طيبة إلا قد عبقتا به ، ينفذ ضوء وجوههما غلظ القبة ، حتى يظن من يراهما أنهما من دون القبة ، يرى مخهما من فوق سوقهما كالسلك الأبيض من ياقوتة حمراء ، يريان له من الفضل على صحابته كفضل الشمس على الحجارة أو أفضل ، ويرى هو لهما مثل ذلك . ثم يدخل إليهما فيحييانه ويقبلانه ويعانقانه ، ويقولان له : والله ما ظنا أن الله يخلق مثلك ثم يأمر الله الملائكة فيسيرون بهم صفا في الجنة حتى ينتهي كل رجل منهم إلى منزلته التي أعدت له . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا علي بن جرير ، عن حماد ، قال : شجرة في الجنة في دار كل مؤمن غصن منها . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن حسان بن أبي الأشرس ، عن مغيث بن سمي ؛ قال : طوبى : شجرة في الجنة لو أن رجلا ركب قلوصا جذعا أو جذعة ، ثم دار بها لم يبلغ المكان الذي ارتحل منه حتى يموت هرما . وما من أهل الجنة منزل إلا فيه غصن من أغصان تلك الشجرة متدل عليهم ، فإذا أرادوا أن يأكلوا من الثمرة تدلى إليهم فيأكلون منه ما شاءوا ، ويجيء الطير فيأكلون منه قديدا وشواء ما شاءوا ، ثم يطير . وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر بنحو ما قال من قال هي شجرة . ذكر الرواية بذلك : حدثني سليمان بن داود القومسي ، قال : ثنا أبو توبة الربيع بن نافع ، قال : ثنا معاوية بن سلام ، عن زيد ، أنه سمع أبا سلام ، قال : ثنا عامر بن زيد البكالي ، أنه سمع عتبة بن عبد السلام يقول : جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، إن في الجنة فاكهة ؟ قال : " نعم ، فيها شجرة تدعى طوبى ، هي تطابق الفردوس " . قال : أي شجر أرضنا تشبه ؟ قال : " ليست تشبه شيأ من شجر أرضك ، ولكن أتيت الشام ؟ " فقال : لا يا رسول الله ، فقال : " فإنها تشبه شجرة تدعى الجوزة ، تنبت على ساق واحدة ثم ينتشر أعلاها " قال : ما عظم أصلها ؟ قال : " لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحاطت